رسالة من الأستاذ إلى الطالب.. الذي كنتُه يوماً
إليك.. أنت .
يا من تجلس الآن على مقاعد الدراسة، وتنظر إلى المستقبل بعينٍ تملؤها الحيرة ، وأخرى يملؤها الشغف.
قد تنظر إليّ اليوم، و تظن أن طريقي كان مفروشاً بالخطط الواضحة والنجاحات المتتالية.
لكن الحقيقة يا صديقي، أنني كنتُ مكانك تماماً ، كنتُ ذلك الطالب الذي يراقب الشاشات بفضول ، الذي اختار مساره بجرأة ، والذي تعثر مراتٍ ومرات قبل أن يجد الطريق .
هذه القصة ليست “سيرة ذاتية” لشخص ناجح بل هي خارطة طريق لـ “شخص كان تائهاً مثلك” واستطاع أن يبني بوصلته الخاصة.
أكتب لك هذه السطور لأقول لك: لا تنتظر المنهج ليُخبرك بكل شيء. الجامعة ستعطيك الأدوات، لكنها لن تعطيك “الرؤية”. الرؤية تُبنى في الغرف المغلقة، في ساعات التجريب التي لا يراها أحد، في تلك الواجبات والاختبارات التي صنعتها بيدي لنفسي ، وفي تلك المشاريع الطلابية التي كنتُ اعتبرها ميدان التجربة المجانية.
سألتُ يوماً “كيف؟” أمام تلفازٍ قديم، ولم أكن أعرف أن هذا السؤال الصغير سيقودني إلى حيث أنا الآن، محاضراً، ومدرساً، وممارساً للمهنة التي أحببت.
اليوم، دورك أنت أن تسأل “كيف؟”، لا لكي تبحث عن إجابة جاهزة، بل لكي تصنع إجابتك الخاصة.
اقرأ هذه الصفحات لتعرف من يمكنك أن تكونه أنت.
الطريق ليس مستقيماً، لكنه يستحق العناء.
أستاذك.. الذي لا يزال يتعلم كل يوم
محمــــــد حســــن منســــــي
المقدمة:

في مساءات الشتاء الأردنية ، وحين تشتد برودة الخارج وتضرب حبات المطر زجاج النوافذ بإيقاع رتيب ، تنكمش الحياة لتتجمع حول مدفأة تعبق برائحة الدفء العائلي وتلمّ شمل البيت.
في إحدى تلك الليالي ، كانت أمي في المطبخ، وصوت الأطباق يمتزج بحفيف صفحات الجريدة اليومية بين يدي أبي الذي كان يقرأ بصمت. أما أنا، “محمد” الطفل، فكنت ممدداً على السجاد، يفصلني عن شاشة التلفاز أقل من متر، غارقاً في مشاهدة مسلسلات الكرتون التي كانت نافذتي الأولى نحو عالم كبير من الخيال والفضول !
لم اكن اهتم بالحكاية لا افكر بانتصار البطل أو هزيمة الشرير، ولم تكن الحبكة هي ما يشدني . كانت عيناي معلقتين بتفاصيل أخرى تماماً :
كيف لهذه الرسومات ان تتحرك ؟
كيف يرتفع حاجب الشخصية الكرتونية بتلك الانسيابية العجيبة؟
كيف تتزامن حركة الشفاه بدقة متناهية مع الصوت الصادر من سماعة التلفاز الخشبية؟
وكيف لهذا الكرتون ان يتحدث ؟
سألت أمي دون أن أزيح بصري عن الشاشة المضيئة:
- ” يُما.. كيف الكرتون بيتحرك؟ ” أجابت بصوت اعتيادي، إجابة مقتضبة لتبديد فضول طفل صغير:
- “في رسامين رسموه وحركوه.”
- “بس كيف الرسمة بتتحرك؟”.
- “هيك.. بيرسموا صورة ورا صورة، ولما يمشوها ورا بعض بسرعة، بتبين كأنها بتتحرك.”
توقفتُ للحظة. استوعبت الفكرة نظرياً، لكنها لم تكن كافية لإطفاء الفضول المتقد. ألقيت بالسؤال الذي لم أدرك حينها أنه سيصبح بوصلة حياتي كلها:
طيب ، لو رسمت أنا رسمة ، كيف أخليها تحكي وتحرك ثمها ويطلع منها صوت؟
لم تملك أمي إجابة. تُرك السؤال معلقاً في هواء الغرفة الدافئ، يتأرجح بين دخان المدفأة وصوت المطر، لكنه استقر في زاوية مظلمة من عقلي؛

شعلة صغيرة أُوقدت في تلك الليلة، ورفضت أن تنطفئ.
صندوق الكنز وشاشة الترقب
كبر السؤال معي، حملته في حقيبتي المدرسية، وفي شوارع الحارة، وبين ضحكات الأصدقاء. ثم بدأت كلمة سحرية تتردد في المجالس ، كلمة تحمل طابعاً من الغموض والحداثة: “الكمبيوتر”.
ذات صباح ماطر، وقفت عند بائع الفلافل القريب من المدرسة أنتظر دوري. التقطت أذناي حواراً بين طفلين، أحدهما يتباهى وعيناه تلمعان: “جبت قرص جديد فيه لعبة مرتبة، رسوماتها كأنها حقيقية”. وقفت متسمراً، أنسى دوري وأنسى الفطور. ما هذا العالم المخفي؟ في تلك اللحظة، أدركت بحدس طفولي أن إجابة سؤالي القديم ترقد هناك، داخل ذلك الصندوق البلاستيكي العجيب الذي يتحدثون عنه.

لكن كيف لطفل أن يقنع عائلته بشراء جهاز باهظ الثمن لم يكن يُعد من ضروريات الحياة حينها؟ لم يكن الأمر مجرد طلب عابر كشراء دراجة أو كرة قدم. احتجت إلى استراتيجية، إلى خطة محكمة.
كنت أراقب بصمت، أحلل المعطيات حولي، حتى وجدت ثغرتي الذهبية في أوراق والدتي المعلمة. كانت موجة “حوسبة التعليم” قد بدأت تجتاح المدارس الأردنية كعاصفة تحديث لا مفر منها. جلست بجوارها ذات مساء وهي تدرس بتركيز لامتحان رخصة قيادة الحاسوب (ICDL).

سألتها ببراءة مبطنة بالدهاء، دهاء طفل يرى هدفه بوضوح:
“يُما، كيف بتتعلمي على الكمبيوتر وإحنا أصلاً ما عندنا واحد في البيت؟ كيف رح تقدري تعملي مشاريع الحوسبة المطلوبة منكم؟” التُمست الحاجة فوراً، وانتقلت الفكرة إلى أبي.
تدخلتُ في الوقت المناسب كدبلوماسي محنك: “يا أبي، الكمبيوتر سيوفر على أمي التأخر في مختبرات المدرسة بعد الدوام، ستنجز عملها وتتدرب هنا بيننا، وسيكون عوناً حقيقياً لها”.
نجحت الخطة. واشترينا كمبيوتر !
لن أنسى ذلك اليوم ما حييت. وصل الفني يحمل صناديق كرتونية وضعها بحذر في زاوية الصالة، ثم نظر إلينا وقال جملته التي وقعت علي كالصاعقة: “سأتركها هنا، وأعود يوم الأحد لتركيبها وتشغيلها”.

خرج الرجل وأغلق الباب. يومان كاملان. ثمانٍ وأربعون ساعة من الانتظار القاتل، كل دقيقة فيها كانت تمر كأنها دهر.
كنت أطوف حول الصناديق أترقب لحظة الفتح، أتحسس الشاشة ذات الظهر المحدب، أتأمل لوحة المفاتيح، والفأرة ذات الكرة المطاطية في بطنها وأتساءل في سري: كيف لهذا الشيء الصغير أن يحرك عوالم كاملة في الداخل؟

حين جاء يوم الأحد ، وقام الفني بتوصيل القطع ، وضغط على زر التشغيل، تسمرت عيناي على الشاشة. ثم أضاءت الشاشة بألوان مبهرة، وسمعت نغمة بدء تشغيل “ويندوز”. لم تكن مجرد موسيقى عابرة ؛
كانت إعلان نصر ! .
باب فتحته أخيراً، وعليّ الآن أن أعبره بكل جوارحي.
الاجازة في الخليل
في تلك الأيام، لم يكن الإنترنت متاحاً في البيوت ليكون معلمي الأول. كانت مقاهي الإنترنت ترفاً لا أملكه. فكانت الأقراص المدمجة هي بوابتي الوحيدة لاكتشاف هذا الجهاز.
بدأ أبي، بحدس أبوي محب، يحضر لي أقراصاً من صديق له. من هنا، بدأت أفكك طلاسم البرامج؛ من شرائح “باوربوينت” الساذجة، إلى برامج الكتابة والتنسيق إلى مجموعة برامج الاسرة والعاب NFS و GTA و FIFA و Hitman. .
لكن القفزة الحقيقية، اللحظة الفارقة التي غيرت مسار بصري للأبد، حدثت خارج الحدود. في إحدى رحلاتنا الصيفية لزيارة الأقارب في مدينة الخليل في فلسطين . بين زحمة الأقارب وأحاديث الكبار، تسللت كعادتي، مدفوعاً بفضولي الذي لا يهدأ، إلى حاسوب أحد أقاربي.
تسمرت مكاني حين نظرت إلى شاشة جهازه. كانت خلفية الشاشة تعرض جسد شخصية اللعبة الشهيرة “هيتمان” (Hitman) ببدلته السوداء الأنيقة وربطة عنقه الحمراء ومسدسيه المتقاطعين.. لكن الرأس لم يكن رأس الشخصية الأصلية، كان رأس قريبي! مدمجاً بظلال وإضاءة لا تشوبها شائبة، وكأن الصورة التقطت له في استوديو احترافي.

- “كيف عملت هاي؟” سألته مبهوتاً، وعيناي تكادان تلتهمان الشاشة.
- ابتسم بثقة وأجاب: “في برنامج اسمه فوتوشوب. بتقص أي صورة، وبتفرغها، وبتحطها مكان الثانية، وبتعدل الألوان زي ما بدك.”
“فوتوشوب“. وقعت الكلمة في رأسي كحجر ضخم أُلقي في بركة هادئة، فأحدث أمواجاً لم تتوقف حتى اليوم . ليلتها لم أستطع النوم. كنت أبحث بهوس عن قرص فارغ لأنسخ هذا السحر قبل عودتنا إلى الأردن .
وفي صباح اليوم التالي، حين عبرت العائلة الجسر عائدة للأردن ، كنت أحمل في حقيبتي أثمن وثيقة امتلكتها في حياتي ؛ كنت أحمـــل مستقبلي .
التخبط، الإصرار، وحرب المسارات
بمجرد وصولي إلى البيت، ركضت نحو الجهاز وأدخلت القرص. حبست أنفاسي، انتظرت… لكن البرنامج لم يعمل! كان هذا أول درس قاسٍ في مدرسة التعلم الذاتي: الأشياء لا تأتي جاهزة. بعد محاولات وبحث ، تمكنت أخيراً من الحصول على نسخة تعمل بكفاءة من برنامج الفوتوشوب عن طريق أحد أصدقاء والدي.
ومن تلك اللحظة، انطلقت رحلة البحث والاكتشاف . ليالٍ طويلة من التجريب و الخطأ والتخبيص في طبقات الفوتوشوب وأدواته المثيرة ، فهمت أدوات القص والدمج دون معلم، ودون يوتيوب أو دورات تعليمية. كنت أفهم منطق البرنامج بالحدس البحت. وسرعان ما امتد هوسي إلى برامج أخرى؛ برنامج فلاش ، وثري دي ماكس وملتيميديا بيلدر وسوني فيجاس وساوند فورج وغيرها .

| كل رسالــــة خطـــــــــأ واجهتها كانت درساً في الصبر، وكـــل محاولــة فاشلــة كانـت حجراً في أساس خبرتي.” |
عقلي لم يكتفِ بالصورة ، وأصبح يسأل : “كيف تُصنع هذه البرامج أصلاً؟” وهكذا قادني الفضول إلى “فيجوال بيسك” (Visual Basic).
تحولت من مجرد مستهلك للأدوات إلى مهووس في طريقة صنعها . حتى أنني في الصف العاشر، برمجت لمديري ف المدرسة نظاماً معقداً لحساب “المواريث” لتسهيل بحثه لدرجة الدكتوراه ، وحصلت على 40 دينار مقابلاً لذلك . يا له من مبلغ زهيد لكنه كانت بالنسبة لي اثباتٌ لمسار بدأ يتشكل .

لم أعد مجرد طالب يتقن التصميم، بل أصبحت “المبرمج والمصمم” في نظر الجميع.
حين جاء وقت اختيار مسار الثانوية العامة، كان طريقي مضاءً بوضوح: “تكنولوجيا المعلومات” (IT) ، لكن إدارة المدرسة كان لها رأي آخر.
كان معدلي في الصف العاشر 96%،
اعتبروا أن معدلي المرتفع “خسارة” في هذا المسار، الذي كان يُوصم حينها ظلماً وفي مجتمعنا المدرسي بأنه للطلاب الأقل تحصيلاً . الملفات انتقلت تلقائياً إلى مدرسة السلط الثانوية لتسجيلي في المسار العلمي، ظناً منهم أنهم ينقذون مستقبلي

ذهبت بنفسي، سحبت ملفي بجرأة لم أعهدها في نفسي ، وتوجهت إلى المدارس العمرية، التي قدمت ليل منحة دراسية واحتضنت طموحي في مسار تكنولوجيا المعلومات الذي اخترته بإرادتي حتى تخرجت بمعدل 92% ، كانت تلك أولى معاركي من أجل هويتي، وأول انتصار حقيقي يُكتب باسمي.
ورقة القبول الموحد
مرت نشوة النجاح في الثانوية العامة، لأجد نفسي أمام اللحظة الأكثر مصيرية في حياة أي شاب أردني: تعبئة طلب “القبول الموحد” للجامعات.
في تلك الأيام، كانت العائلات تتجمع حول الطالب، وتُكتب عشرات الرغبات تحسباً لأي طارئ. الهندسة هنا، الطب هناك، المحاسبة كخيار آمن، وغيرها من التخصصات التي ترضي المجتمع. جلست أمام الورقة، أمسك القلم، وأنظر إلى الخانات الفارغة التي تنتظر أن أحدد فيها بقية عمري.
لم أتردد ولو لثانية واحدة. لم أكن أبحث عن خيار “آمن”، ولم أكن أبحث عن لقب يسبق اسمي ليرضي غروراً اجتماعياً. كنت أرى مستقبلي بوضوح شديد، كأنني أراه على شاشة حاسوبي. كنت مؤمناً إيماناً مطلقاً بأن لغة البرمجة هي لغة المستقبل، وأنني لا أريد أن أكون مجرد مستخدم للتكنولوجيا، بل صانعاً لها.
في رأسي، كانت صورة واضحة تسيطر على كل تفكيري: أن أصبح واحداً من أبرز وأكبر المبرمجين في الأردن. كنت أرى نفسي أبني أنظمة معقدة، وأحل مشكلات برمجية عويصة، وأكتب سطوراً من الأكواد التي تغير طريقة عمل المؤسسات. هذا الشغف لم يكن وليد اللحظة، بل كان امتداداً طبيعياً لذلك الطفل الذي برمج نظام المواريث، ولذلك الشاب الذي قضى ليالي طويلة يفكك منطق (Visual Basic).

بثقة تامة، ويقين لا يخالطه أي شك، كتبت رغبة واحدة فقط في الخانة الأولى: “علم الحاسوب – الجامعة الأردنية”. تركت باقي الخانات فارغة. كان تصرفاً يُعد ضرباً من الجنون في نظر الكثيرين، مغامرة غير محسوبة العواقب. “ماذا لو لم تُقبل؟” سألني البعض. لكني لم أكن أرى احتمالاً آخر. كان تخصص علم الحاسوب في أعرق جامعات الأردن هو المكان الوحيد الذي أرى نفسي فيه، وهو القاعدة الصلبة التي سأنطلق منها لتحقيق حلمي بأن أكون المبرمج الأول.
وحين صدرت النتائج، وقرأت اسمي مقروناً بالجامعة الأردنية – تخصص علم الحاسوب، شعرت بأن الكون كله يربت على كتفي، مؤكداً لي أن الشغف حين يقترن بالإصرار، يفتح الأبواب المغلقة.
في رحاب الجامعــة الأردنية
| أركز في نشاطاتي بقدر تركيزي في محاضراتي ، لا لشيء إلا لأنني ادركت أن الشهــــــــادة تعطيــــك التذكرة ، لكن مهاراتــك هي التي تقودك‘.” |
دخلت الجامعة الأردنية وكلي طاقة وشغف . كنت مهتماً بشدة بالجانب الأكاديمي ونشيطاً فيه ، أدرس الخوارزميات ، وقواعد البيانات، والشبكات ، ولغات البرمجة بشغف وحب ، وأقضي أوقاتاً طويلة في مساعدة زملائي الطلبة على استيعاب المواد الجامعية وتجاوز تعقيداتها ، وفي الوقت نفسه لم يتوقف شغفي بالتصميم وإنتاج الفيديو والمونتاج، بل وجد مساحة رحبة للتنفس في الفعاليات الطلابية . كنت أوازن بين دراستي وتصميم البوسترات ، حتى أصبح اسمي معروفاً عند الفرق الطلابية في الجامعة ؛ فكانت العبارة التي تتردد دائماً:
“بدكم تصميم مرتب للفعالية؟ خلو محمد يصمم!”.

| لقد كانت تصاميمي للفعاليات هي أول ‘ بورتفوليو ‘ (معرض أعمال) لي قبل أن أعرف أن هذا المصطلح موجود أصلاً.” |
تخرجت حاملاً شهادتي، وبدأت حياتي المهنية فوراً. عملت مبرمجاً لستة أشهر متواصلة، طورت خلالها نظاماً شاملاً لإدارة المحتوى (CMS) لأحد المشاريع الكبرى في الأردن. أثبتّ لنفسي وللجميع أنني قادر بالفعل على أن أكون ذلك المبرمج اللامع الذي حلمت به. لقد حققت الرؤية.
لكن، في ذروة هذا النجاح البرمجي، وخلف شاشات البرمجة ، عاد ذلك الصوت القديم يناديني. وقف الشغف البصري يطالب بحقه المنسي. تذكرت الليلة التي سألت فيها أمي عن تحريك الكرتون.
بشجاعة توازي شجاعة كتابة رغبة واحدة في القبول الموحد، قررت ترك البرمجة جانباً والعودة إلى عالم الصورة ، والصوت ، والحركة والتصميم ، مستخدماً عقلي البرمجي المنظم في إدارة مشاريع الملتيميديا .
| أدركت أن الإبداع لا يأتي الا بدمج المتجاورات , لذلك كنت حريصاً على توسيع معرفتي بالكثير من المجالات واحاول المزج بينها … |
في تلك السنوات، تحولت حياتي إلى ورشة عمل لا تنام. بدأت كـ “مونتير” يغوص في تفاصيل اللقطات، يبحث عن الإيقاع المثالي الذي يحول مجرد مواد خام إلى قصة متماسكة. لم أكن أكتفي بقص الفيديو، بل كنت أعيش في عقول المشاهدين. تعلمت كيف أصنع “البروموهات” التي تخطف الأنظار في ثوانٍ معدودة، وكيف أبني محتوى لا يكتفي بالانتشار، بل يترك أثراً.
عملت في مجال المونتاج والجرافيكس في القنوات الفضائية ثم انتقلت لتركيا كمنتج بروموهات Promo Producer ، افكر واحلل واكتب واصور وامنتج واصمم واهندس الصوت واخرج بروموهات تلفزيونية … بعد 6 شهور تركت العمل وبدأت العمل بمفردي ، كانت الغربة مدرسة قاسية لكنها منصفة. تنوعت مهامي بشكل مذهل؛ فقد كنت “منتج محتوى” يحلل الجمهور، و”مصمم فيديوهات تعريفية” يترجم الأفكار المعقدة إلى حكايات بصرية بسيطة، و”مصمم إعلانات موشن جرافيك” يمنح الهويات التجارية روحاً وحركة. لم أعد مجرد منفذ تقني؛ بل أصبحت شريكاً في نجاح العديد من المشاريع الناشئة والشركات، حيث ساعدتهم بلمساتي البصرية على بناء هوياتهم من الصفر، وتحويل أفكارهم من كلمات جامدة على الورق إلى تجارب بصرية تجذب العملاء.

ومع تراكم الخبرات، بدأ شغف جديد ينمو في داخلي، لا يقل وهجاً عن شغفي بالتصميم؛ إنه شغف “نقل المعرفة”. لم أعد أجد لذتي في إنجاز العمل فحسب، بل في رؤية الآخرين وهم يتجاوزون العقبات التي واجهتني في بداياتي.
| افضل وسيلة للتعلم هي التعليم ، نعم كلما عَلمتَ مَا لديك للآخرين تعمقت معرفتك فيه وأصبحتَ أكثر علماً . |
فتوجهت نحو التدريب. أصبحت مدرباً في المونتاج والموشن جرافيك، أقف أمام المتدربين من مختلف المشارب، لا لأكون مجرد ملقن للتقنيات، بل لأكون مرشداً يفتح لهم أبواب هذا العالم الكبير ، كانت رؤية المتدربين وهم يتجاوزون الاخطاء تمنحني شعوراً بالرضا يفوق ما كنت أحصده من إنجاز المشاريع الفردية.
في تلك القاعات، كنت أرى في إقبالهم على التعلم انعكاساً لنضجي المهني، وأصبحت مهمتي هي تمكينهم من أدواتهم، وتحويل المعرفة من حكرٍ على المحترفين إلى أداة في أيديهم. كانت تركيا مرحلة “التجلي المهني”؛ حيث نضجت أدواتي، وتعمقت رؤيتي، وأصبحتُ -بكل فخر- المحترف الذي لم يكتفِ بإتقان الصنعة، بل سخرها لخدمة غيره.
مرت خمسة عشر عاماً. سنوات من النحت في الصخر. انتقلت فيها بين عوالم كثيرة ، أسست وكالتي الخاصة لخدمات التسويق والإنتاج، وأصبحت انفذ مشاريعاً تصنع التأثير. لم يكن الطريق خطاً مستقيماً، بل مساراً متعرجاً من التجربة، الفشل، النهوض، والنمو المستمر.
الشعلة التي تُضيء قاعات الجامعة
أقف اليوم في قاعات كلية العمارة والتصميم، أستاذاً ممارساً في قسم الملتيميديا بجامعة الزيتونة الأردنية.

حين أقف أمام الطلبة في القاعة، وأنظر في عيونهم، لا أرى مجرد أرقام جامعية أو وجوه عابرة. أرى فيهم ذلك الطفل الممدد على السجاد أمام شاشة التلفاز القديم. أرى حيرتهم، شغفهم، وخوفهم من المستقبل.
أنا لا أدرسهم من بطون الكتب النظرية فحسب. أنا أنقل لهم خلاصة حياة . أدرسهم من ليالي التخبط أمام شاشة الفوتوشوب الأولى، من مرارة الأبواب التي أُغلقت في وجهي ، ومن حلاوة الإصرار ، ومن اليقين المطلق الذي جعلني أختار علم الحاسوب كخيار أوحد .
| حتى اليوم، وأنا أقف أمامكم، لا أزال ادرس وأقرأ وأتعلم وأجرب، أخطئ وأصحح . المعرفة ليست محطة تصل إليها، بل هي رحلة لا تنتهي. |
كل ما أفعله اليوم هو أنني أزرع ذات الشعلة في عقولهم .
“أشرح لهم كيف نحول الأفكار المجردة إلى تجارب بصرية وصوتية ملهمة . أظل مترقباً في كل محاضرة تلك اللحظة المقدسة ؛ حين تلمع أعينهم فجأة ببريق الاكتشاف ، وتتجمع كل علامات الاستفهام في وجوههم ، لتنطلق من حناجرهم تلك الكلمة السحرية التي كانت يوماً ما أول خطوة في طريقي : كيـــــــــــف؟
فأبتسم، لأنني هذه المرة..





