لماذا يجب أن يقف الأستاذ الجامعي في المنتصف؟

حين انتقلتُ بعد أكثر من عقد ونصف قضيتها في الميدان العملي في السوق كمدرب ، لأجد نفسي فجأة خلف المنبر الأكاديمي في قاعات المحاضرات الجامعية، شعرتُ وكأنني انتقلت من ساحة معركة متحركة إلى متحف زجاجي هادئ.

هناك في السوق، كنتُ أدرك جيداً أن العملة الرابحة الوحيدة هي: “هل يعمل هذا حقاً؟ هل يصنع أثراً؟ هل يحل مشكلة حقيقية؟”. أما هنا في الأكاديميا البحتة، فكنت أرى أحياناً تمجيداً للمنهج لمجرد أنه دُوّن في المرجع الفلاني، بغض النظر عما إذا كان الطالب سيواجه به العالم غداً أم لا.

صدمة الانتقال: بين برج النظريات وقاع السوق

عندما دخلت إلى الحقل الأكاديمي، واجهتُ اصطداماً مبكراً: كيف يمكنني تدريس مقررات قد تبدو جافة أو منفصلة عن إيقاع العصر ؟ وجدت نفسي مضطراً منذ اليوم الأول لإخضاع كل سطر أكاديمي لفلتر صارم وصادق: “هل هذه الفكرة قابلة للتطبيق؟ وإذا طبقناها، هل تخدم المعرفة العميقة حسب ما يقوله الكتاب؟”

التطرف الفكري في التعليم آفة؛ فإما أستاذ يعيش في برج عاجي من التعريفات والنظريات التاريخية التي لا علاقة لها بما يحدث في وكالات التصميم أو شركات التقنية اليوم، وإما مدرب مستعجل يلهث وراء “الأزرار المختصرة” والحلول السريعة دون فهم فلسفة الجذور والأصول. كلا الطرفين يقدمان تعليماً منقوصاً. الفلسفة بلا تطبيق مجرد ترديد أعمى ، والتطبيق بلا فلسفة مجرد حركة عشوائية بلا بوصلة.

حين يلتقي النظري بالواقعي في عيون الطلاب

التغيير الحقيقي لا يحدث إلا عندما نجرؤ على الوقوف في المنطقة الرمادية بالمنتصف؛ حيث تمتزج “فلسفة الأستاذ” مع “عقلية المدرب”. لقد لمستُ أثر هذا المزيج بشكل مباشر على الطلبة في قاعات المحاضرات حين يرفعون رؤوسهم قائلين بدهشة : أول مرة نحس إنو النظري مهم وفي نفس الوقت واقعي لدرجة ممكن نتفاعل معه ونطبقه بمشاريعنا!”.

الطلاب ليسوا ضد النظريات، بل هم ضد النظريات “الميتة” التي تُلقى عليهم بلا روح أو سياق عملي . عندما تشرح للطالب فلسفة التباين البصري أو سايكولوجية الألوان، ثم تربطها مباشرة بمشروع حقيقي يتدرب عليه لتسليمه لسوق العمل، يتحول الكتاب المقرّر من مجرد “عبء حفظ للامتحان” إلى “دليل تشغيل هندسي” لمهارته المستقبلية.

رسالة لكل أستاذ : لا تخف من مغادرة برج القواعد الصارمة، ولا تنزلق إلى سطحية التدريب العابر. قف في المنتصف: امنح الطالب عمق المعرفة لتفهم أصول الأمور، وهندسة التطبيق لتمسك بزمام الصناعة بكل ثقة.